
يوميات
كتب / عباس حايك
أرادني أن أقله بعيداً عن صخب
المدينة وضوضائها ..ركب معي ، وفي طريقنا للمزرعة حيث تحتفي الطبيعة بذاتها – هو
دائماً ما يتواجد هناك متآلفاً مع الماضي في عبقه وفي صفائه – سألته مشاكساً رغبةً
في كشف دواخله والولوج إلى غموضه ..
- هل
ما زلت تستمع إلى فيروز ؟
بدا
الارتباك والتردد يطفران من حركة جسده ، من نظره للبعيد دون أن يرمقنى بأدنى نظرة
.. ظناً أني سأهز رأسي أسفاً وأحوقل لو رد بالإيجاب :
- أحياناً
!!
بتردد قالها ، منتظراً ما ستسفر عنه
هذه الـ ( أحياناً ) ، ففاجأته :
- أتود
أن أسمعك فيروز في هذه اللحظة ؟!
وضعت الشريط في مسجل السيارة دون
انتظار رده .. فانسابت الأنغام .. وانساب صوت فيروز صافٍ كسماء صيف ، كجدول يروي
ظمأ الروح .. عدل جلسته ، رفع صوت المسجل قليلاً وغاب .. صار يردد :
" نسم عـــــلينا الهوى من مفــرق الوادي
يا هــــوى يا هـوى يللي
طــاير بالهوى
في منتورة وطاقة وصورة خدني
لعندن يا هوى "
كناسك يتعبد .. قطعت عليه تنسكه :
- أنا
لم أكن أستسيغ صوت فيروز من ذي قبل .
- أما
أنا فمذ كنت في الرابعة عشر من عمري ، وهذا الصوت يداويني من وجع الروح.
قال ممعناً في الترنم ، وكأن سؤالي
ورده ، جزء من تنسكه .. ثلاثون عاماً وهذا الصوت رديف وجعه ، فرحه ، لهفته ، وطنه
.
- أما
الآن فلا فرصة سانحة لي لأستمع بصفاء داخل المنزل .. بناتي كبرن وزوجتي دائماً ما
تلح علي أن أعدم الأشرطة التي جمعتها كما يجمع الطفل ألعابه ، ويجمع الثري ماله ..
هي ثروتي .
حزيناً كان .. فجزء من عالمه منتزع
.. خوفاً من بناته ، من أن تسقط صورته .. ومأفوناً يكون .. لقد صور العم لهن أن من
يستمع للغناء منحل .. سيئ الخلق .. يضحي بهذيانه المحبوب على صوت فيروز الضائع
مقابل بقائه صورة مؤطرة لا يطالها خدش في نظر بناته.
غاب ثانية ، وكأن صوت فيروز يتعمد
يجليه عن هذا العالم بكل محسوساته .. ومأخوذاً بقي .. وأخضر المزارع يكمل قصيدة لا
تكتمل إلا هنا ..
- لا
يسعني وأنا أسمع هذا الصوت إلا أن أخر ساجداً لمن خلق هذه الحناجر ..
فرحت .. كنت أحاول جر الكلمات ليعلن
عن سبب تعلقه بهذا الصوت .. فجاء الرد ليس منتظراً .. هاهو يكشف عن تنسكه عبر هذا
الصوت .. يرى الله في صوتها كما يراه في كل جميل خلقه الله .. صوفي مجنون .. أين
كنت ؟ وجهك لا يوحي .. سلوكك لا يوحي .. جنونك يوحي بالجنون المطلق .. وجنونك لا
مكان له هنا .. فالحياة ملئى بالعقلاء .. أو يظنون أنفسهم من سيصلبونك كالحلاج لو
نطقت بهذا الإثم في حضورهم .. سيزرعون جسدك مسامير خطايا وأنت برئ .. سيخطون على
أكفانك كافر .. وأنت برئ .. فاسكت .. فلا مكان للجنون هنا .