Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

 

 

فرادة الممثل

لـ : جواد الأسدي

        هل المسرح بالنسبة للممثل غاية أم ذريعة ؟! جوهر المعنى أم شكل المعنى ، عزف سياحي ، هدر زمني أم لحظة وجودية بالعالم ، هل الانتماء للمسرح من أجل تكوين صورة بريستيجية أم إعادة استنباط جمالي وإيغال في بنيان قصيدة الروح ؟! .

        ما هو المسرح بالنسبة للممثل ؟ كيف يفهم الممثل المسرح خارج مسطرة السوق ، آفة الرزق ، بعيداً عن حيوان التلفزيون في معناه السوقي ! هل يزهر المسرح في تجليات الوعي أم مع الفطرة التلقائية ؟! هل من الإحساس النقدي بالتأريخ أم في تسذيج التأريخ والسقوط في فخ السيرك اليومي لدفع حركة الحياة نحو الهامش ؟! .

        هل الممثل شاعر عصره ؟ سياسي عصره ؟ نحات زمانه أم أنه أيضاً شاهد زور ، انتهازي أم فاعل ومشارك في المخاض الذي تخوضه الشعوب !! .

        أين يعيش الممثل ! في صلب الحدث أم على هامشه ؟! .

لا أريد أن أسهب في سرد طبيعة علاقة الممثلين الكلاسيكيين بالمسرح ، ولا أحبذ أن أمضي بعيداً في تسليط الضوء على صورة مارلون براندو وهو يلعب مسرحية " عربة اسمها اللذة ! " بإخراج ايليا كازان ! كيف أزهرت وردة التمثيل في عقل وروح براندو ! إلى أي حدٍ دفع براندو جسده ، وزمنه نحو لذة جحيمية أو فرن ارتجالي نصي كاشفاً فيه طاقته الوحشية في فهم العالم أو قدرته على تصوير الفحش في العالم ! .

        لم يلمع براندو في أداء دوره كونه وقع على حافة الأداء ولا جر التمثيل إلى عسف التيه والفوضى التي تؤدي إلى أداء انتهازي مجاني عابر ؟! .

        إنما وبإدراك لصيرورة العالم وحركة التفاصيل الصغيرة داخل المشهد الكوني وبحساسية جمالية معرفية عالية آثر مع دوره حالات تقمص وتماهي حد التفجر الانتحاري ! .

        الإحساس بالزمن وجذب الأداء المسرحي إلى وحشية أدائية ، فتح بوابات البروفات على اللذة غير المشروطة ، دفع الشعور والجسد نحو انتهاك وتهديم المعمول ثم إعادة تأسيسه ، معالجة البروفات بالإيمان والذوبان داخل الزمن المسرحي الذي هو زمن البروفة ، تحويل العالم إلى الدور ، فتح الدور على المناطق المحظورة في الإشارات ، كسر التابو ، إزاحة الستار عن الحريق ، الإدراك التأريخي  لصيرورة المجتمع ، التمادي في العمل على الدور ، العشق والوله في الدور ، كل هذا يمنح الممثل جسارة اقتحام تهشيم ثبات الأشياء الثابتة ، لن يستطيع الممثل الحديث أن يحقق تناصاً حداثياً مع الأداء المسرحي إلا إذا ابتلع دوره ، يقوم الممثل بلوك وهضم الدور ، يفكك روح جسده وعادات وإشارات الشخصية التي سيلعبها في جسده هو وصولاً إلى كيمياء روحي وجسدي بينه وبين الشخصية .

        دم الممثل ينقذف في شرايين الشخصية الملعوبة ، ولكن يمضي الممثل إلى أبعد من قشرة الدور الخارجية وحتى يصل بوعي بصري ووعي فكري إلى نبش قيعان الشخصية لا بد أن يتحول الممثل في لحظات التوهج الأدائي إلى حطاب يعرف أين يضرب بفأسه قاع دوره لإنبات زهرة الأداء الحر .

 

المصدر :

الموت نصاً ، حافة النص – جواد الأسدي – دار الفارابي – بيروت، الطبعة الأولى 1999