Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

 

المقاربة الانطباعية

لـ : عواد علي

مصطلح  المقاربة الخارجية(External Approach) للنص الأدبي ،أو للأثر الفني هي كما يقول واين شوميكر ، في كتابه (عناصر النظرية النقدية ) :أنها الدراسة الخارجية للنص التي تهدف إلى إضاءة الأدب، وذلك باستكشاف خلفيته ، وبيئته، والمؤثرات الخارجية فيه .

ويرى غراهام هو ، أنها أية نظرية في نقد ترى الأدب بكل بساطة تعبيرا أو انعكاسا لعوامل غير أدبية سابقة على وجود الأثر الأدبي ، ويترتب على ذلك أن لكل موضوعات الأدب صلة تماثل مع الموضوعات الموجودة في العالم الواقعي.

ويذهب رينيه ويليك ، إلى أنها الدراسة التي تعني نفسها بإطار الأدب ومحيطه وأسبابه الخارجية ، وهي تغدو في معظم الحالات شرحا تعليليا تتصدى لتعليل الأدب وشرحه ، وأخيرا لإرجاعه إلى أصوله.

أما الناقد نورثروب فراي فيوجز المقاربة الخارجية بأنها تلك المقاربة التي تتجاهل بالضرورة خصوصية الشكل الأدبي وتهتم بالحتمية الخارجية وهي تبقى عاجزة عن فهم العلاقة المعقدة والمتناقضة ،غالبا بين المؤلفات الأدبية ومحيطها .

وتتمثل المقاربات الخارجية بالأنواع الأساسية الآتية:التقويمية (المعيارية)،الانطباعية ،الاجتماعية ، والنفسية.                                                                             

 

المقاربة الانطباعية

تحاول هذه المقاربة أن تعبر عن ردود الفعل، أو الانطباعات التي تثيرها المسرحية مباشرة في نفس الناقد . بمعنى أن الخطاب النقدي صياغة لاحساسات الناقد ، وانفعالاته المتولدة عن قراءاته للمسرحية ، فهو يستطيع أن يصول ويجول كما يشاء ، وأن يطلق لخياله العنان حتى يبتعد مسافات شاسعة عن المتخيل المسرحي ، كما أنه يعطي لنفسه الحق في أن يصبغ أحكامه باللون الذي يلائمه ، كما يقول (أوسكار وايلد).

ومن رواد هذه المقاربة الكاتبان الإنجليزيان (وليم هازلت ) و(لامب) ، ومما يقوله الأول ، مثلاً :(أقول ما أفكر ، وأفكر ما أشعر ، ولا أستطيع أن أمنع نفسي من أن تتأثر بأنواع من التأثر تجاه الأشياء ، وعندي من الهمة ما يكفي للتصريح بها كما هي ) ويقول، أيضا ، في مقاله الموسوم (حول العبقرية والمنطق اليومي) (أنت تقرر على أساس الانطباع الذي يتركه عدد من الأشياء في العقل ، على الرغم من أنك قد لا تكون قادرا على تحليل وتفسير هذا الانطباع في تفاصيله ).

ويعبر (وولتر بيتر ) عن تصور مشابه لهذا في قوله :(إن الخطوة الأولى في النقد نحو رؤية الشيء كما هو حقاً ، هو معرفة الانطباع الشخصي كما هو حقاً ، وتمييزه وتحقيقه بصورة دقيقة). ومن المعروف أن هذه المقاربة راجت في أوروبا ، في أواخر القرن التاسع عشر ، وظلت حتى عام 1940، ومن ممثليها في فرنسا (أناتول فرانس) و(بيل ليمتر ) و(أميل فاجيه)، وقد رأى الأول أن كل نقد ، مهما زعم لنفسه من موضوعية ، ذاتي لأنه انعكاس لذات الناقد ، وعبر عن هذه القناعة بقوله :(إن النقد الموضوعي وهم ، فالحقيقة هي أن الإنسان لن يستطيع الإفلات من ذاته ، ما الذي يمكن أن لا نعطيه مقابل أن نرى الأرض والسماء للحظة واحدة بعيني ذبابة ، أو أن نفهم الطبيعة بعقل بسيط بدائي هو عقل القرد ؟ يجدر بالناقد إذا كان صريحاً مع نفسه أن يقول : أيها السادة سوف أتحدث عن نفسي من خلال علاقتي بشكسبير ، وراسين ، وباسكال ، وغويته ) .

ولم تكن المقاربة النقدية عند (ليمتر) تعني شيئاً سوى الإفصاح عن المشاعر التي تثيرها في نفسه قراءة ما ينقد ،وقد ركز منهجه في النقد عنوان مؤلفاته (تأثرات مسرحية )، وهي مجموعة مقالات جمعها فيعشر مجلدات ، ويمكن معرفة طبيعة هذا المنهج من مقال له عن (أناتول فرانس ) ، فهو يقول فيه (كيف يمكن أن يصبح النقد الأدبي مذهباً ؟ إن المؤلفات تتقاطر أمام مرآتنا الروحية ، ولكنه لما كان القطار مديدا ًفإن المرآة  تتغير ، وعندما يحدث أن يعود المؤلف نفسه للمرور أمام المرآة فإنه لا يعكس الصورة نفسها )، ويضيف (ليمتر) : (إننا نحكم بالجودة على ما نحب ،أي أننا نرى حسناً ما نحب ، وهذا كل ما في الأمر ) . وقد سوغ هذا النوع من المقاربة بحجتين :

1-      حجة نفسية إنسانية : وهي تغير مرآة النفس بالسن ، وبملابسات الحياة الأخرى المختلفة ، وبهذا التغير لا بد أن تتغير الصورة التي تنعكس في هذه المرآة عن كل نص .

2-      حجة تاريخية : وهي أن مبادئ ، النقد ذاتها لم تنشأ تاريخياً بوصفها مبادئ ،وإنما كانت في الأصل تأثرات فردية عبر عنها بقوله (مفاضلات) ، ثم عممت هذه المبادئ ،أو كما يقول هو (تحجرت وأصبحت أصولاً). وعلى هذا الأساس فإن كل مقاربة نقدية هي انطباعية أصلاً.

أما (فاجيه) فقد أوضح تمسكه بالنزعة الانطباعية بقوله :(ما يطلب من الناقد هو رأيه في الكاتب ، أو في الكتاب الذي ينقده، سواء أكان هذا الرأي مكونا من مبادئ أم من انفعالات ، إن ما يطلب إليه ليس خريطة للإقليم ، بل احساسات عن السياحة التي قام بها في هذا الأقليم ) .

وتمثلت المقاربة الانطباعية في إنجلترا ، في كتابات (أوسكار وايلد ) و (سانسبيري) اللذين زعما أن الناقد يسجل خواطره على الحالة التي تبدو له نتيجة مباشرة لقراءته دون حاجة إلى شرح وتعليل يهددان تلك القراءة ، ويضيعان المتعة الجمالية للنصوص .

ويكاد يتفق هؤلاء النقاد الانطباعيون جميعاً على أن الناقد يجب أن يتوافر له الحس المرهف بالجمال ، فعلى قدر عمق إحساسه به تكون قوة نقده، فلا قيمة لإلمامه بالقواعد ، أو بتعريفات الجمال ، أو الأسس الذهنية العامة ، إذ القيمة ، كل القيمة ، لرهافة المزاج الفني ، وإذا كان الفنان هو الأشد حساسية تجاه الجمال كي ينتجه ، ويعبر عنه ، إذن لاينقد الفنان سوى الفنان ، ولا ينقد الشاعر سوى الشاعر .

ونخلص مما قلنا إلى أن النقد الانطباعي هو إنكار لإمكان قيام نقد موضوعي ، كما أنه تقرير لضرورة الاستعاضة عن الحكم بالإشارة إلى استجابات الوجدان والتخيل التي يولدها الخطاب المسرحي ، ولذلك فنحن إذ نقرأ لأصحاب هذا النقد إنما نقرأ عنهم لا عن الأثر المسرحي، ولذلك فهم يعطلون إدراكنا لهذا الأثر بابتعادهم عن إضاءته من الداخل ، وعن تحليل مستوياته البنائية والدلالية ، وبمعنى آخر عن كل مكوناته التي جعلت منه خطاباً فنياً .

     

المصدر: غواية المتخيَّل المسرحي –مقاربات لشعرية النص والعرض والنقد

تأليف: عواد علي –الطبعة الأولى ، 1997

الناشر: المركز الثقافي العربي